ابن أبي الحديد
106
شرح نهج البلاغة
قال : لكأني أنظر إلى عمار يوم صفين وهو صريع ، فاستسقى ، فأتى بشربة من لبن ، فشرب ، فقال : اليوم ألقى الأحبة . إن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي أن آخر شربة أشربها في الدنيا شربة من لبن ، ثم استسقى ثانية فأتته امرأة طويلة اليدين بإناء ، فيه ضياح ( 1 ) من لبن ، فقال حين شربه : الحمد لله ، الجنة تحت الأسنة ، والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق ، وأنهم على الباطل ، ثم قاتل حتى قتل . قال أبو عمر : وقد روى حارثة بن المضراب : قرأت كتاب عمر إلى أهل الكوفة : أما بعد ، فإني بعثت إليكم عمارا أميرا ، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا ، وهما من النجباء ، من أصحاب محمد ، فاسمعوا لهما ، واقتدوا بهما ، فإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي أثرة . قال أبو عمر : وإنما قال عمر : هما من النجباء ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : ( إنه لم يكن نبي إلا أعطى سبعة من أصحابه نجباء وزراء فقهاء ، وإني قد أعطيت أربعة عشر : حمزة ، وجعفرا ، وعليا ، وحسنا ، وحسينا ، وأبا بكر ، وعمر ، وعبد الله بن مسعود ، وسلمان ، وعمارا ، وأبا ذر ، وحذيفة ، والمقداد ، وبلالا ) . قال أبو عمر : وتواترت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : ( تقتل عمارا الفئة الباغية ) ، وهذا من إخباره بالغيب ، وأعلام نبوته صلى الله عليه وآله ، وهو من أصح الأحاديث . وكانت صفين في ربيع الاخر سنة سبع وثلاثين ، ودفنه علي عليه السلام في ثيابه ولم يغسله .
--> ( 1 ) الضياح ، بالفتح : اللبن الرقيق الكثير الماء .